القاضي النعمان المغربي

246

المجالس والمسايرات

فقال : هم واللّه الذين أذاقوهم طعم الموت وأحلّوهم محلّ الذلّة وأخرجوهم قسرا بظبى السّيوف وحدّ الرّماح حتّى ألحقوهم بقنن الجبال في أطراف البلاد ، ثمّ استنزلوهم / منها قسرا وأبادوهم قتلا بنصر اللّه لوليّه وبركة مقامه وسعادة جدّه وأيّامه ، وطاعتهم له وصبرهم معه . فقال بعض العبيد الصّقالبة : فنحن يا أمير المؤمنين ، فما ترى أنّا قصّرنا وقد كان لنا من العناء والجهاد كمثل ما كان لغيرنا ، فمن نازعنا ذلك فليعدّ مشاهدنا ووقائعنا ومقاماتنا ومن استشهد منّا ! فقال ( عم ) : لا سواء ، إنّا بهم ملكناكم ، ولم نملكهم بكم . أرأيت لو تركت أنت وأمثالك في بلدانكم ، أكنتم تأتوننا ؟ ! قال : لا . قال : فهؤلاء أتونا طائعين وبذلوا لنا أنفسهم راغبين ، ومضى على ذلك أسلافهم وثبت عليه أخلافهم للسّلف منّا وللخلف ، قرنا فقرنا وجيلا فجيلا . واللّه / ما وفت أمّة من الأمم لنبيّ من الأنبياء ولا لإمام من الأئمّة ولا لملك من ملوك الدّنيا ، ولا وفى لها وفاءهم لنا ووفاءنا لهم ، إلّا وقد تداخل أولئك الفشل واعتراهم الخلل ، وحال عليهم ملوك الدنيا واستأثروا غيرهم دونهم واطّرحوهم وأوقعوا بهم . وهؤلاء ، أجدادهم مع أجدادنا وآباؤهم مع آبائنا ، وهم معنا وكذلك يكون أعقابهم مع أعقابنا إلى يوم الدّين إن شاء اللّه . ثمّ نظر إليّ فقال : أليس كذلك ؟ قلت : هو كما قال أمير المؤمنين ( عم ) ، وهم من السّابقين الذين أوجب اللّه فضلهم والاستغفار لهم على اللاحقين التّابعين . ثمّ قال ( صلع ) : وليس سبقهم وفضلهم ممّا ينقص / فضل من جاء بعدهم من عبيدنا وأنصارنا فجاهد ونصر ونصح لنا ، بل يؤتي اللّه ( عج ) - كما قال - « كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ » « 1 » ، واللّه جلّ ثناؤه واسع عليم ، ولا يضيع عنده أجر من أحسن عملا وقد قال جلّ ثناؤه : « لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ ، أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ

--> ( 1 ) اقتباس من سورة هود ، 3 .